الحساسية الموسمية ليست مجرَّد إزعاج عابر، بل هي نتيجة تفاعل معقّد داخل جهازك المناعي. فحين تدمع عيناك، ويحتقن أنفك، وتشعر بانزعاج في الجيوب الأنفية، فإنّ السبب غالباً هو حبوب اللقاح التي تطلقها الأشجار أو الأعشاب أو النباتات البرية في الهواء، تبعاً للفصل.
قد تبدو أول نوبة حساسية مفاجئة، لكنّها في الحقيقة تكون نتيجة عملية تراكمية بدأت قبل سنوات. في كل ربيع، على سبيل المثال، تنتشر حبوب اللقاح في الجو، وتلتصق بالأغشية المخاطية في العينَين والأنف والحلق. في البداية، لا يبالغ الجسم في ردّ فعله، لكنّه يبدأ بمراقبة هذه الجزيئات عبر خلايا متخصِّصة تُعرَف بالخلايا المتغصّنة، التي تجمع عيّنات منها لتحليلها.
الخطأ في التعرُّف على حبوب اللقاح
في مرحلة ما، ولأسباب لا تزال غير مفهومة تماماً، يخطئ الجهاز المناعي في التعرُّف على حبوب اللقاح، فيتعامل معها كما لو كانت طفيلياً خطيراً. هذا الخطأ يؤدّي إلى إطلاق مواد كيميائية تُسمّى السيتوكينات، التي تحفّز الالتهاب وتنشّط خلايا الدم البيضاء لإنتاج أجسام مضادة.
تُخزَّن هذه الأجسام المضادة خلايا تُعرف بالخلايا البدينة، المنتشرة في العينَين والأنف والمجاري التنفسية، لتصبح كأنّها «ألغام صغيرة» جاهزة للانفجار عند التعرُّض التالي لحبوب اللقاح. تُسمّى هذه المرحلة «التحسّس»، حيث يتعلّم الجسم اعتبار اللقاح تهديداً.
مدة التعرُّض للحساسية
نحو ربع البالغين يعانون من الحساسية الموسمية، وقد يتطوَّر هذا التحسّس بعد تعرّض واحد أو عبر مواسم متعدّدة. البعض يصاب بها منذ الطفولة، بينما يكتسبها آخرون بعد الانتقال إلى بيئة جديدة أو بسبب موسم لقاح كثيف بشكل استثنائي.
عند التعرُّض مجدداً لحبوب اللقاح، ترتبط هذه الأخيرة بالأجسام المضادة، ما يؤدّي إلى تنشيط الخلايا البدينة وانفجارها، مطلقةً مواد التهابية أبرزها الهيستامين.
الأعراض
هنا تبدأ الأعراض: زيادة إفراز المخاط، سيلان الأنف، السعال، الحكة، ودموع العينَين، بالإضافة إلى العطاس الذي يحاول طرد المهيّجات.
وبعد ساعات، تصل خلايا دم بيضاء أخرى تُعرف باليوزينيات لتعزيز الاستجابة، فتطلق موجة جديدة من المواد الالتهابية، ما يُبقي الأنسجة متورِّمة والمخاط متدفّقاً. ولا تقتصر التأثيرات على الأعراض الجسدية، إذ يمكن أن تُسبِّب الحساسية شعوراً بالتعب وضعف التركيز. فالاحتقان يؤثر على جودة النوم، كما تشير بعض الدراسات إلى أنّ الالتهاب قد ينعكس على المزاج والذاكرة.
كيف تعالج الحساسية؟
على رغم من ذلك، توجد وسائل فعّالة للسيطرة على الحالة. فمضادات الهيستامين تُقلِّل من استجابة الجسم، بينما تعمل بخاخات الأنف الستيرويدية على تهدئة الالتهاب. كما تساعد المحاليل الملحية في تنظيف الأنف من حبوب اللقاح. ومع تغيُّر الفصول، تتبدّل أنواع اللقاح، ما قد يمنحك فترة راحة أو بداية موجة جديدة. لكن، يبقى بإمكانك الحدّ من تأثير هذه الحساسية والتخفيف من أعراضها.